أحمد مصطفى المراغي
219
تفسير المراغي
الأمر ويعتبروا ، وكان يقال لهم : إذا كان الجماد يضطرب لهول هذا اليوم ، فهل لكم أن تستيقظوا من غفلتكم ، وترجعوا عن عنادكم ؟ . ( وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ) أي وأخرجت الأرض ما في جوفها من الكنوز والدفائن والأموات ، فإنها لشدة اضطرابها يثور باطنها ويقذف ما فيه . ونحو الآية قوله : « وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ . وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ » . ومثال هذا ما نراه في حياتنا الدنيا من جبال النار الثائرة ( البراكين ) كما حدث في إيطاليا سنة 1909 من ثوران بركان ويزوف وابتلاعه مدينة مسينا ولم يبق من أهلها ديّارا ولا نافخ نار . ( وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها ؟ ) أي وقال من يكون من الناس مشاهدا لهذا الزلزال الذي يخالف أمثاله في شدته ، ويحار العقل في معرفة أسبابه ، ويصيبه الدّهش مما يرى ويبصر : ما لهذه الأرض ، وما الذي وقع لها مما لم يعهد له نظير من قبل ؟ كما جاء في آية أخرى : « وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى » . ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها ) أي في ذلك الوقت وقت الزلزلة تحدثك الأرض أحاديثها ، والمراد أن حالها وما يقع فيها من الاضطراب والانقلاب ، وما لم يعهد له نظير من الخراب ، تعلم السائل وتفهمه أن ما يراه لم يكن لسبب من الأسباب التي وضعت لأمثاله مما نراه حين استقر نظام هذا الكون . ثم بين سبب ما يرى فقال : ( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها ) أي إن ما يكون للأرض يومئذ إنما هو بأمر إلهي خاص ، فيقول لها كونى خرابا كما قال لها حين بدء النشأة الأولى كونى أرضا ، وإنما سمى ذلك وحيا ، لأنه أتى على خلاف ما عهد منذ نشأة الأرض ، قاله الأستاذ الإمام . ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ ) أي يوم يقع الخراب العظيم لهذا العالم الأرضي ، ويظهر ذلك الكون الجديد كون الحياة الأخرى ، يصدر الناس متفرقين